Lundi 12 juillet 1 12 /07 /Juil 12:50

مقدمة

عرف المجتمع المغربي العديد من التحولات الاجتماعية و التقافية التي مست البنيات التقليدية و لفهم هذه التحولات لابد من الرجوع الى السيرورة التاريخية لأنها ليست وليدة اللحضة و انما تؤشر على مسلسل تاريخي يمتد حتى الفترة الكولونيالية التي تعتبرالمرحلة الأساسية و  الحاسمة في عملية التغير الاجتماعي في المجتمع المغربي بشكل عام و المجتمع القروي على وجه التحديد الذي اتخد  النصيب الأوفر على اعتبار أنه جزء من الكل أي من المجتمع الكلي، و بالتالي فالحديث عن التحولات التي عرفها كانت مرتبطة بالأساس بالتحولات العامة للمجتمع المغربي  و ما دام أن عوامل التغير الاجتماعي عديدة فاننا سنقتصر في مقالنا هدا على حدود مساهمة المدرسة .

1) مساهمة المدرسة في التغيرات الاجتماعية والثقافية في القرية المغربية

تعتبر القرية وحدة تنظيم لا يمكن  عزلها تماما عن الظروف العامة التي يعيش جزء هام منها داخل نسق كلياني مرتبط  بالاتجاهات العامة للثقافة الكلية السائدة في المجتمع و التي عرفت  بدورها العديد من التحولات البنيوية على كافة المستويات انها تحولات كمية و كيفية تؤشر على سيرورة التغير الاجتماعي  في المجتمع (1)، هدا الأخير الدي شهد خلخلة في بناه التقليدية ببروز مظاهر تحديثية أساسية كان لها أثر كبير على  المجتمع المغربي بشكل عام و المجتمع القروي بشكل خاص و لتحليلنا لأسباب و مظاهر هذا التغير  سوف  نقف في البداية عند التحولات التي عرفتها المدرسة نفسها و ذلك من خلال  الانتقال من النمودج التقليدي "الكتاب" الى النمودج الحديث " المدرسة العصرية " (2)،لكن قبل ذلك لابد من معرفة  تمثلات  و نظرة القرويين الى المدرسة في شكليها التقليدي و التحديثي .

 و في هذا الاطار كانت المدرسة في العالم القروي في ما مضى مرتبطة بالأساس  بعاملين أساسيين : العامل الأول يتمثل في القيم والعادات التي توجه حيات القرويين ويسعون إلى تحقيقها أما العامل الثاني فهو متمثل في الحاجيات الرئيسة  التي كانت متمحورة حول الزراعة والأرض وما يرتبط بهما من خصوصيات ، هذا إلى جانب العزلة النسبية التي تعيش فيها القرية و ما لها من نتائج سلبية حيث سيادة نمط واحد من التفكير وضيق الأفق  ولكي لا نسقط في التعميم

(1)     محمد عاطف غيت : دراسات في علم الاجتماع القروي،دار النهضة العربية للطباعة و النشر 1967 ص:61,62

(2)     التحولات الاجتماعية و التقافية في البوادي المغربية: منشورات كلية الأداب و العلوم الانسانية بالرباط سلسلة ندوات و مناظرات رقم 102 من تنسيق الأستاذ المختار الهراس و الأستاذ ادريس بنسعيد.2002 ص18

لعلنا نقول البعض من القرى، إذن فوجود مثل هذا النمط يشكل اللبنة الأساسية في توجهات القرويين  بحيث تكون العائلة المسؤولة  عن توجيه أفرادها وفق ما تستدعيه ظروفها

الاقتصادية والاجتماعية مما يشي  بغياب الفرد نة  داخل هذا النسق الاجتماعي (3) و تماشيا مع هدا السياق يتبين أن مكانة الاندماج التي تتحدد للفرد داخل الجماعة هي بالكاد مرتبطة بالظروف والعوامل السابقة الذكر مما لها من تأثيرات على نظرة القرويين للمدرسة  التي تبقى محدودة في هذا المجال، و يعتقد أن سيادة  هذا النمط من التفكير داخل القرية يركز على قيمتين أساسيتين :هذه القيمتين مرتبطتين بالمظهر العائلي للحياة الاجتماعية والاقتصادية و بالتالي فالمعايير الأساسية التي يعتمدها القرويون  في هذا النظام  تعتبر أن مكانة الرجل تحدد انطلاقا من  اعتبارات مرتبطة من جهة بالقدرة على اتقان العمل و من جهة تانية القدرة على الانجاب خاصة الذكورمما يجعل  من المدرسة أمرا ثانويا لا تضعه العائلة في الحسبان مما أدى  الى  انتشار الأمية في أوساط القرية بالمغرب في فترات تاريخية معينة، لكن الحاجة الدينية لتحفيظ "القرءان" جعلت من وجود المدرسة أمرا ضروريا خاصة نمودج "الكتاب "  و طبيعي في ذلك تعليم للقراءة والكتابة ، وما دام أن القرويون متشبتون بالتقاليد والأعراف وحرصهم على أداء طقوسهم الدينية فإن الحاجة الى وجود هذا النمودج  سيساهم بشكل كبير في إحداث نقلة نوعية في عملية التغير الاجتماعي ، وجدير بالذكر أن هذا النمودج باعتباره المكان الوحيد للتعليم  لا يتردد عليه الا  الأطفال الذكور أما فيما يخص الاناث فهن مقصيات  جميعهن بلا استثناء  مما يحول دون تعليمهن و هذا راجع الى الأسباب التقافية و الاجتماعية المترسخة في البنيات التقليدية  للمجتمع القروي (4)، الأبعد من ذلك أن وجود هذا النمودج لا يعني أن جميع الأطفال الذكور يترددون الى هذا النموذج بحيث أن المظاهر الاقتصادية و الاجتماعية تحول دون ذلك لأن معظم الأطفال كانو يشتغلون في الزراعة و الرعي  و بالتالي البعض  فقط من العائلات و أبناء الفقراء الذين لا يملكون الأراضي الزراعية هم من كانويرسلون أبنائهم الى "الكتاب" خاصة و أنهم  يستخدمون تحفيض القرءان لأغراض معينة في بعض المناسبات المرتبطة بالتقاليد، فبالاضافة الى هدا الاتجاه النوعي  على الكتاب كانت القرية منفتحة على العالم الخارجي و بالخصوص زيادة

الاتصال بالمدينة التي تعتبر مركز الاشعاع بالنسبة للقرية هذه الأخيرة التي ستعرف بداية ظهور

(3)     هشام الشرابي : البنية البطركية بحث في المجتمع العربي المعاصر، دار الطليعة بيروت 1987 ص: 40

  (4)   Alain Touraine : *  Condition requises pour l’étude sociologie * cité par :    Placid Rambaud : « sociologie rural » ; Mouton éditeur , paris ,la Haye ,1976  p 67

عوامل التغير الاجتماعي ، هذا في الوقت الذي قلت فيه مشاركة الأطفال في العمليات

الزراعية بسبب تقلص الأراضي الزراعية بالنسبة للعائلات نظرا للتقسيمات الناتجة عن الارث من جهة و ما خلفه الاستعمارمن خلخلة في توزيع الأراضي من جهة تانية كل هذا ساهم في احدات تغيرات عميقة في المجتمع القروي(5). 

2) التغير والتعليم بالعالم القروي:

من الصعب بمكان الفصل بين الاتجاه الأول للتعليم كمظهر من مظاهر التغير الاجتماعي عن غيره من المظاهر الأخرى إذا تعتبر الحياة الاجتماعية مترابطة الأجزاء ولا نستطيع أن نفهم التغير في جزء منها إلا في ضوء بقية الأجزاء الأخرى وبالتالي فإن تغير نظرة القرويين للمدرسة  كان متفقا مع الاتجاهات  العامة للقرية ككل، و تماشيا مع هذا الطرح  سنبلور بعض الأسباب التي أدت إلى عمليات التغير خاصة الاتجاه إلى التعليم :

و من بين الأسباب التي يمكن أن نقر بها الانتشار الثقافي في المجتمع بأسره الذي تكون فيه المدينة مركز الإشعاع بالنسبة للقرية ومن البديهي أن تزايد الاتصال بين القرية والمدينة ساهم بشكل كبير في عملية التغير بحيث أن اطلاع القرويون على نماذج أخرى من الحياة  خاصة احتكاكهم ببعض الموظفين لقضاء مصالحهم  جعلهم يحسون بقيمة التعليم التى ستأثر في نظرتهم المستقبلية  خاصة اعتقادهم بامكانية جعل أبنائهم مثل هؤلاء " الموظفين " بمجرد إرسالهم إلى المدرسة، أما العامل الثاني فهو مرتبط بالقوانين الالزامية التي أحدتثها الدولة بحيث ساهمت بشكل كبيرفي هذا الاتجاه خاصة وأن مجانية التعليم  شجعت القرويون على ارسال أبنائهم إلى المدارس، هذا إلى جانب التغير في قيمة العمل التي لم تعد مرتبطة  بالزراعة كما كان في السابق حيث ظهرت بعض الأنشطة  كالتجارة و العمل بالأجرة في المدن و استفادة البعض من أبناء القرويين في التوظيف  الذين يكسبون عائلاتهم مركز اجتماعيا مرموقا كل هدا ساهم في تغيير النظرة حول المدرسة.        

 أما في ما يخص العامل الأخير فهو الذي يخص الاتجاه نحو الفردية والتقليد إذ ترتب عن تفكك العائلة أن أصبح كل أب حر في توجيه أبنائه كبداية اعلان التمرد ان جاز لنا  قول ذلك على العائلة الممتدة و بالأحرى على البنيات التقليدية(6) .

 

 


   (5)محمد عاطف غيت ( نفس المرجع السابق ) ص 70،72

(6)محمد عاطف غيت ( نفس المرجع السابق ) ص76،78

 

 

3) النموذج الجديد للمدرسة بالقرية المغربية.

لقد كان للتحولات التي عرفها المجتمع القروي دورا أساسيا في بروز" المدرسة العصرية " كمؤسسة جديدة تقوم مقام النمودج التقليدي الذي حافض على خصوصياته في المجال القروي  فادا كان لبروزالمدرسة العصرية ظرورة تاريخية فما مدى تقبل القرويون لهدا النمودج ؟ و ما مصير" الكتاب" في هذه الحالة؟ ان غياب الدراسات السوسيولوجية الكافية في هذا الاطاريفتح مجال استمرار هذه التساؤلات ، لكن اذا انطلقنا من بعض الدراسات المتواضعة يتضح أن واقع المجتمع القروي بالمغرب على الرغم من التحولات التي شملت بنياته التقليدية الا أن النمودج الجديد للمدرسة ما زال يعاني العديد من التغرات ورغم المجهودات التي قامت بها الدولة فيما يخص تشييد المدارس وجلب المعلمين  الا أن ذلك  لم يقلص بالشكل المطلوب في نسبة الأمية التي استفحلت في المجتمع القروي ، و بالتالي  كان لابد من الرجوع إلى الأسباب  التقافية والاجتماعية لفهم  الأسباب و المتغيرات المتحكمة في هذه الوضعية وهذا ما لم تأخذه معظم سياسات الدولة في الاعتباروسنحاول في هذا السياق أن نتحدث وبإيجاز عن المراحل الأساسية للنموذج الجديد للمدرسة في القرية(7) .

 فيما يخص المرحلة الأولى وكما هو معلوم فهي  مرتبطة بالاستعمار الفرنسي الذي حاول تكسير البنيات التقليدية بحيث تشكل المدرسة  قناة أساسية من خلالها يتم تمرير تقافته و مخططاته و جدير بالذكرأن هذه الفترة سيعرف فيها التعليم نفسه تغيرات عميقة  أترث  بشكل كبير في نمط المجتمع القروي خاصة على المستوى السيكولوجي اذ برزت بعض التمظهرات السيكولوجية كتمرد بعض الأطفال المتعلمين على بعض التقاليد مما أدى الى الصراع بين الآباء و الأبناء حول بعض القيم .

 أما المرحلة ما بعد الاستعمار والتي تمثلت في فترة الاستقلال فإن الدولة المغربية حاولت القيام بالعديد من الإصلاحات وان احدتث بعض التغيرات إلا أنها لم ترقى إلى المستوى المطلوب وذلك راجع إلى غياب الدراسات الميدانية في هذا المجال لأنه إذا لم نقم باختراق  العالم القروي الحافل بالعديد من الأسرار المرتبطة بالبنيات الثقافية والاجتماعية المتجدرة في مخيال القرويين فإننا لن نستطيع جبر الضرر أوالنجاح في إصلاح التعليم بالمغرب وهذا ما يفسر تردي المستوى التعليمي بالعالم القروي،هذا إلى جانب التعارض القائم بين

 

   (7)   التحولات الاجتماعية و التقافية في البوادي المغربية (نفس المرجع السابق) ص 189

 

النموذجيين "الكتاب" في النموذج السابق الذي إستدمجه القرويون وبين النموذج الجديد الذي لازال يعاني من مشاكل بنيوية خاصة  فى بعض القرى التي غالبا ما تكون بعيدة ومنعزلة عن المدن.                                                                                            

خلاصة:

من خلال ما سبق يتضح جليا مدى التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها العالم القروي بالمغرب إذ كانت مساهمة المدرسة واضحة في هذه العملية لكن ما يلاحظ هو أن هذا التغير وان شمل العديد من المجالات إلا أن ذلك لم يستطع تكسير البنيات التقليدية حتى وإن اصطدمت بالثقافات الجديدة فإنها مازالت مترسخة لها تأثيرها في نمط العيش وكذلك في ما يخص التعليم بالعالم القروي، إذ مازال هذا الأخير يعاني العديد من المشاكل كالهدر المدرسي و عدم تمدرس الإناث، وبالمقابل فحتى المخططات الأخيرة التي جاءت بها الدولة لم تأخذ بعين الاعتبارمجموعة الشروط الموضوعية للقيام باصلاح حقيقي فإذا ما لحظنا البرنامج الأخير المتمثل في برنامج "تيسير" الذي يسعى إلى الحد من الهد ر المدرسي نجد أنه وإن قدم بعض المساهمات المادية لبعض الأسر في العالم القروي إلا أنه في العمق يتبين أن المشكل المادي ليس هو الأساسي بل هناك عوامل أخرى ثقافية اجتماعية .

 

اعداد الطالب : عبد الزهر بامحمي                  

 

المراجع المعتمدة:

 

محمد عاطف غيت : دراسات في علم الاجتماع القروي،دار النهضة العربية للطباعة و النشر  1967

  التحولات الاجتماعية و التقافية في البوادي المغربية: منشورات كلية الأداب و العلوم الانسانية بالرباط سلسلة ندوات و مناظرات رقم 102 من تنسيق الأستاذ المختار الهراس و الأستاذ ادريس بنسعيد ، 2002

هشام الشرابي : البنية البطركية بحث في المجتمع العربي المعاصر، دار الطليعة ،  1987.

 Alain Touraine : *  Condition requises pour l’étude sociologie * cité par : Placid Rambaud : « sociologie rural » ; Mouton éditeur , paris ,la Haye ,1976

Par abdezhar-sociologie.over-blog.com - Publié dans : مساهمة المدرسة في التغيرات الاجتماعية والثقافية في
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Retour à l'accueil

Présentation

Créer un Blog

Recherche

Calendrier

Août 2014
L M M J V S D
        1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
             
<< < > >>
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus